مروان البرغوثي يكتب في ذكرى أبو عمار: المسكون دائما بالفدائي!

مروان البرغوثي يكتب في ذكرى أبو عمار: المسكون دائما بالفدائي!

* القائد الأسير مروان البرغوثي كتب من زنزانته في الذكرى الحادية عشر لاستشهاد القائد الرمز ياسر عرفات: المسكون دائما بالفدائي!

بالرغم من مرور أحد عشر عاماً على اغتيال القائد الرمز الشهيد ياسر عرفات، إلا أن الكتابة عنه ثقيلة وشاقّة: أوَّلاً، لأنه ياسر عرفات، بكل ما يعنيه هذا الرمز الكبير، وثانياً، لأن الرجل حاضر- بقوّة- في حياة الفلسطينيين، برغم الغياب، وثالثاً، وأقول ذلك لأوَّل مرّة، لأنه أكثر شخص حاضِر في كلّ أحلامي، منذ اعتقالي وحتى الآن، ورابعاً، لأني آثرت ألّا أكتب عنه، وأن أدَّخر ذلك إلى قادم الأيام، وعلى الرغم من أنه كُتِب الكثير عنه منذ استشهاده إلّا أن ما كُتب- على أهمّيّته- لا زال نقطة في بحر ياسر عرفات، كما أن الكتابات تناولت- في الغالب- تجربة أصحابها مع ياسر عرفات، ولم يتمّ حتى الآن، في حدود معرفتي، تناول تجربة ياسرعرفات: الوطنية، والكفاحية، والسياسـية، والعـســكــريــة، والإعـــلامـيـــــة، والإنسانية، والقيادية، بالدراسة والبحث وفق قواعد البحث العلمي التي تخضع لمجموعة من المعايير المهمّة. ومن حقّ الرجل علينا أن نكتب تجربته للأجيال، فهي كنز للتاريخين: الفلسطيني، والعربي، ومن الصعب فصل التاريخ الفلسطيني، خلال العقود الماضية، عن تاريخ ياسر عرفات، وتجربته، بل سنجده حاضراً في هذا التاريخ بقوّة، كما أن الحاضر الفلسطيني، بكلّ تداعياته وصعوباته يحتاج إلى شخصية عرفات، ورمزيته، وشجاعته، وعنفوانه، وتجربته، أكثر من أي وقت مضى. وقد عرف الفلسطينيون خلال تاريخهم الطويل، قادةً كباراً يستحقّون أن نحتفي بهم وأن نكتب عنهم، وأن ننتقد تجربتهم، وأن نجري تقيّيماً موضوعياً لمسيرتهم؛ ويتصدّر ياسر عرفات القادة الفلسطينيين- ربّما- خلال المئة عام المنصرمة، بوصفه أبرز وأهمّ زعيم فلسطيني عرفه الفلسطينيون والعالم، وبخاصّة أجيال ما بعد النكبة والنكسة، وهو- بحقّ- مؤسِّس الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة ما بعد النكبة، وزعيمها، ومفجّر الثورة الفلسطينية بقيادة حركة فتح، ومؤسِّس السلطة الوطنية على جزء يسير من الأرض الفلسطينية.

وقد تأثَّر ياسر عرفات في أثناء دراسته الجامعية بالعدوان الثلاثي على مصر عــــــام 1956، وبالثورة الجزائرية، وبتجربة حركات التحرُّر التي حقّقت انتصارات في مواجهة الاستعمار في خمسينيات وستينيات القرن العشرين. امتاز ياسر عرفات- وبدور لا يقلّ عن دور رفيق دربه، الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد)- بقدرة عظيمة على التقاط اللحظة التاريخية لإطلاق ثورة مسلّحة من تحت ركام النكبة وبإمكانيات ذاتية، عكس كل التيّارات السائدة آنذاك.

منذ بدايات نشاطه في رابطة طلبة فلسطين ثمّ الاتّحاد العامّ لطلبة فلسطين، برزت الروح الفدائية في ياسر عرفات، وتألَّقت، وهي ستستمرّ مكوناً رئيساً في سلوكه وعقله ووجدانه، حتى آخر يوم في حياته. تجلّى هذا في إصراره على إطلاق الثورة في

يناير/كانون الثاني 1965، رغم المعارضة الشديدة داخل قيادة «فتح»، وتجلّت ثوابته وقيادته غير المعترف بها، حتى تلك اللحظة، عندما قرَّر، فور احتلال عام 1967، التوجّه إلى القدس والضفّة لإقامة قواعد ثورية ارتكازية، واللّافت أن أحداً من رفاقه في القيادة لم يرافقه إلى الأرض المحتلّة. وعندما حشد الإسرائيليون جيشهم للقضاء على فتح، في معركة الكرامة عام 1968، وبالرغم من محدودية الإمكانيات، أصرّ عرفات الفدائي على رفض الانسحاب كما اقترح عليه الكثيرون التزاماً بقواعد حرب الشعب وحرب العصابات: (عندما يتقدّم العدوّ ننسحب)، رفض عرفات الالتزام بالنصّ! وهكذا، سار طوال حياته خارج النصّ.

في بيروت قاتل (فدائيّاً) مع مقاتليه، وغادر بيروت في لحظة قاسية ومريرة من حياته. وعندما حاول الأميركان والإسرائيليون فرض حلّ استسلام في كامب ديفيد، عام 2000، رفض ياسر عرفات، مدركاً الثمن، وعندما حوصر في المقاطعة في رام الله، وصدر القرار الإسرائيلي باغتياله، بموافقة أميركية، وبتواطؤ من بعض الأطراف، كان يقاوم بشجاعة، ويصرّ على حقّ شعبه في مقاومة الاحتلال ومساندة الانتفاضة.

ياسرعرفات مسكون، في داخله، بالفدائي الذي لم يغادره أبداً، بل سكن قلبه وعقله ووجدانه وسلوكه، وظنّ البعض أن السلطة وامتيازاتها ستحوِّله إلى حاكم استبدادي يقمع شعبه، ويجمع ثروة طائلة من الأموال، ويعيش حياة من الترف والبذخ. هؤلاء لم يدركوا فدائية ياسر عرفات الذي كان أمامه فرصة ليتحوّل إلى ثريّ كبير في أثناء عمله في الكويت مهندساً، في آواخر الخمسينيات، لكنه آثر فلسطين التي سكنت عميقاً في قلبه ووجدانه، وتحوّلت، مع الزمن، إلى عقيدة كاملة لا يفكّر، ولا يعيش إلّا بها ومعها وفيها ولها، فلا زمن لسواها، ولا وقت لغيرها، وهي حبيبته وعشيقته ورفيقة دربه وأسرته وعائلته وعشيرته، وهي حزبه وحركته، وهي روحه وحياته وعالمه. كان يؤمن بحتمية الانتصار على المشروع الصهيوني عبر نضال طويل الأمد. كلّ الألقاب التي حاز عليها واستحقّها لم تُضعِف فيه الروح الفدائية ولا الفدائي الساكن في أعماقه. عندما تجمَّع بين يديه المال والقوّة لم يفكِّر أن يشيِّد قصراً أو منتجعاً، أو يُهرِّب أموالاً إلى سويسرا أو غيرها، ولم تُغْرِهِ مظاهر الحياة المادّية، بكل ما فيها من إغراء، ولم يتحوّل إلى حاكم ظالم استبدادي يعتمد على قوّة الأمن للبطش.

انحاز الفدائي ياسر عرفات إلى الممارسة الثورية، لا إلى التنظير الثوري، ولم يدّعِ، يوماً، أنه منظّر مثقَّف ومفكِّر، بل هو فدائي مستعدّ للعمل الثوري والعمل الفدائي، وهذه الروح وهذا السلوك العرفاتي طَبعَاً قسماً لا بأس به من مناضلي حركة فتح الذين تأثّروا به، بدءاً بالرعيل الأول.

ظَلّ الفدائي عرفات أقرب القادة الفلسطينيين إلى ضمير الشعب ونبضه وحياته، احتضن الشهداء وأُسَرهم والمقاتلين والفدائيين، وعالَج الجرحى، وقَبَّل أقدامهم وجراحهم، واقترب من كل القطاعات، لم يترفّع، خالط جميع فئات الشعب، وفتح الباب للجميع، آمن بلقاء الناس والحديث معهم والاستماع إلى همومهم وشكواهم.

غير أن عرفات الفدائي هو إنسان يرتكب الأخطاء السياسية والإدارية والعسكرية والتنظيمية، ويرتجل القرارات، وهومبدع في التكتيك لا في الاستراتيجية. ورغم واقعيّته السياسية فإنه يبالغ بوزن الأوراق التي بين يديه، ويؤمن بقدرته على تغيير موازين القوى، مبدع في نسج التحالفات ذات الصبغة المرحلية لا الاستراتيجية.

خسر عرفات رهانات وحسابات ومحطّات عديدة مهمّة، قادت إلى إخفاقات وانتكاسات، وهو غير مستعدّ إلى إجراء مراجعات وتقييم جماعي، وقلّما يكون مستعدّاً للاعتراف بالأخطاء. يأنس بالأشخاص الذين عرفهم وعاشرهم لفترة طويلة، وتعوَّد عليهم، محافظ، لا يحبّ تغيير الأشخاص من مواقعهم حتى لو طالتهم شبهات كبيرة: أمنية أو أخلاقية، الولاء يتقدّم على الكفاءة، يثق في الناس لكن الثقة لديه نسبية، وتعدّد القنوات في المجال الواحد مركّب أساسي في معادلة القيادة، لا يؤمن بحلّ الإشكالات الداخلية بالعنف أو القوّة أو وفق الأنظمة واللوائح، بل وفق قانونه الأبوي أو الأخوي الثوري، أو ما كان يسمّيه، هو ورفيق دربه أبو جهاد، قانون المحبّة الفتحاوي، يحسن الإصغاء ويلتقط الأفكار غير أنه يناكف من يخالفه الرأي.

عرفات رجل عروبي، مؤمن بالعروبة التي هي مصدر اعتزاز وكبرياء لديه. يؤمن أن العرب يشكِّلون أمّة واحدة ذات مصير واحد، وتطلّعاتهم وأحلامهم واحدة، تألّم لغياب التضامن العربي، وكان يحذّر، منذ وقت طويل، من دول الطوائف وملوك الطوائف وسايكس بيكو جديد، ومن بلقنة الوطن العربي ودوله. تمتّع بثقافة واسعة عن التاريخ العربي والتاريخ الإسلامي، وشكّلت بعض الشخصيات إلهاماً خاصّاً له، وفي مقدّمتهم الرسول الكريم، محمّد (صلّى الله عليه وسَلّم)، والسيد المسيح عليه السلام، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وصلاح الدين الأيوبي، وجمال عبد الناصر، والحاج أمين الحسيني، والملك فيصل.

ما يثير الحزن والأسى والأسف أنه، بعد مرور أحد عشر عاماً على استشهاد عرفات، مازال البعض يناقش فيما إذا تعرَّض لاغتيال أو مات موتاً طبيعياً، مع أن هنالك ما يثبت، بشكل قاطع، أن إسرائيل أخذت قراراً بتصفيته، وبموافقة أميركية وصمت من بعض الأطراف الفلسطينية، كما أن كثيرين توهّموا أن رحيله وانتخاب خَلَف له (الرئيس أبو مازن) الرافض للانتفاضة والمقاومة سيفتح الباب للسلام، على افتراض أن إسرائيل وأميركا راغبتان في ذلك، والعقبة تكمن في ياسر عرفات والانتفاضة!. وإذا كان البعض قد ساورتهم الشكوك في صحّة هذا التحليل فقد بات ذلك جريمةً؛ بعد أحد عشر عاماً من رحيل ياسر عرفات ووقف الانتفاضة؛ لأن النتائج الكارثية على الأرض تهدّد مستقبل الشعب الفلسطيني بشكل حقيقي، ولا داعي للدخول في تفاصيل تهويد القدس والأقصى وحصار قطاع غزة والاعتقالات التي تطال الآلاف سنوياً (يوجد الآن سبعة آلاف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال). وحكومة الاحتلال ماضية في تدمير مقوّمات الدولة الفلسطينية. وحالة الانقسام حطّمت النظام السياسي الفلسطيني والتمثيل الفلسطيني السياسي الموحّد، ولهذا كلّه فإن الشعب الفلسطيني يستذكر ياسر عرفات كلّ يوم، ويفتقده، ويشعر أنه بدون قيادة.

المصدر: مجلة الدوحة، ص 56، العدد 97، نوفمبر 2015م

شاركها

مقالات ذات صلة

اترك رد