ثورة فكر ستان لمريم عبّوش

ثورة فكر ستان لمريم عبّوش

لا أجمل من تلك الثورة التي تُحرّك مكنونات أنفسنا، وتفجرُ ينابيع عقولنا لتنهلَ الأوطانُ منها نورَ الحكمةِ ، وتُحيي فينا روحَ النهضةِ الفكرية من جديد .. نهضةٌ تُبشّر بعمارٍ لدولة القلبِ ، المضغة التي إذا ما صلُحتْ صَلُحَ ذاك الجسد المنوط بعمارِ دولة الحجارة .. لقد تبسّم فجرُ التغيير لوطنِ العُربِ فأشرقتْ من سناه عقولُ شبابِ العهد السوريّ الجديد .. شبابٌ ثارَ على كلّ قيدٍ أطبقَ بقسوته على عقله ، وجثمَ بثقله على قلبهِ فأرداهُ ماديّا بحتاً لا يستطيعُ على التغيير صبرا ، ثم اقتضت سُنّة الله أن يستيقظَ ذلك المارد المدفون في قلب وعقل كلّ شابٍ وشابّة ، ليبدأ مسيرةَ الحياة بلون آخر لا يُشبه بحال لون الذل والعبودية ، ولا يحدّه خوفٌ أو تردد .

ثورةُ فِكْر ستان ..ثورةٌ جُندها الأفكار ، وسلاحها العلم والمعرفة ، وتمتد بلا أمد على مدى عمر الأجيال ، وخيرها مطلقٌ لا ينحصرُ بزمان أو مكان .. موطنها عقلُ كل واحدٍ منّا قرر التمرد على دولة الخمول والإعتيادية والرضى بالدون ، وألهمه وعدُ الله لأمّة الإسلام بالتمكين فلم يلجم حماسته للإنطلاق نحو هذا الوعد المنشود كللٌ أو ملل أو يأس .. إنّ حاجتنا لعمليات هدمٍ وترميم وإعادة إعمارٍ في دولة العقل لا تقّلُ أهميّة عن تلك العمليات المماثلة التي تحتاجها أجسامنا المادية ، ولا يصحُّ منّا التغاضي عن هذه الأهمية لدعاوي شيطانية توهمنا بأنّ خلافةَ الإنسان على هذه الأرض تقتصر على التنافس في إعمار دولة الحجارة وإشباع الأجسادِ، ثمّ إننا لن نُسأل بعدها عن كمّ الدمار والإنهيار الهائل الحاصل في أزقّة عقولنا والتعفن الذي بات صبغةً لبعض أفكارنا ، فكوننا مسلمين أكرمنا الله بمنهاجٍ متكامل هو أشبه ما يكون بخطّة طريق واضحة المعالم لكلّ فردٍ منّا ؛ فإنّ هذا يعبّد لنا طريق سعينا لقطع دابر هذه الخدع الشيطانية ، ويُجبُ علينا وصد أبواب قلوبنا وعقولنا دونها ؛ اتقاءً لشرِّ يومٍ يقولُ فيه الله تعالى لملائكته ” قِفوهم إنّهم مسؤولون ” .

إنّ أيّ عملية تغييرٍ جادّة تنطلقُ نحو النجاحِ من قاعدةٍ قويةٍ متينةِ هي الرغبة الجامحة في تحقيق المُختلف والغير عادي .. ولأنّ ثورةُ فِكْر ستان هي في حقيقتها عملية تغيير فإنها لن تشذَّ عن هذهِ المُسّلمة المنطقية التي تسير وفقهاً لها باقي ظواهر التغيير في هذا الكون .. وبإمكاننا القول إنّ مفتاح نجاح هذه الثورة هو البناء على قاعدة صلبة رصينة الحُبك يمكن حصر تعريفها بكلمتين : ” الإخلاص والإصرار ” .. فما خيّبَ الله مُخلصاً ولا هو سبحانه ضيّع أجر من جاهدَ نفسهُ واصطبرَ على تقويمِ اعوجاج مُخرجات عقله الفكرية وسبرِ أغوارِ موقع تصنيعها ” العقل ” مصححاً ومنقّحا .. إنّ ثورةَ الفكرِ هذه هي دعوة لإعادة إنتاجٍ وهيكلةٍ وصقلٍ لسلاسل أفكارنا بما يقودُ عملية تفكيرنا نهايةً إلى نتائج تصبُّ في مصلحة ارتقائنا في سُلّم الإنسانية ، وتضمن لنا فهماً سليماً لماهيّة وجودنا يُعزز من علاقةِ ديننا بدنيانا .. لا شكّ أن الفكر الإنساني الذي هو نتاج لتبلورات ثقافية تشكّلت طوال سنين مديدة من عمر الشعوب لا يخلو من الشوائب التي إذا ما تراكمت طويلاً قد تؤدي إلى النخْر في صروح حضارات هذه الشعوب ومن ثم تقود إلى انهيارها من حيث لا تحتسب ، والأمثلة التاريخية ليست عنّا ببعيدة .إذاً كان لابدّ للإنسان من ثورة من نوعٍ آخر يذود بها عن مكتسباته الفكرية ويحمي بها عمران دولة عقله من التآكل داخلياً ، ويُصلحُ بها ما أفسدتهُ الأيام .. يساعدهُ في ذلك إخلاصه لله في أن يكون فرداً صالحاً محصّن الأفكار في مجتمعه ، وطموحه السامق في ألاّ يكونَ إنساناً على الدنيا زائد ، ولا عادياً يخرجُ منها ساقطاً من أعين الخلق بائد !

مريم عبّوش

ثورة فكر

شاركها

مقالات ذات صلة

اترك رد