الشاعرة والقاصة المغربية ليلى بارع: مجتمعات لا تقرأ عاجزة عن معرفة صورتها الحقيقية

الشاعرة والقاصة المغربية ليلى بارع: مجتمعات لا تقرأ عاجزة عن معرفة صورتها الحقيقية

القراءة لا تصنع كاتباً بل تصنع الإنسان بداخله وتمنح العمق لكتاباته

الزلفي – حوار: عبدالرحمن الخضيري

تصف الشاعرة والقاصة المغربية ليلى بارع القراءة في مراحل الطفولة بالقراءة اللاواعية فهي ترى أهميتها بأنها تربط الطفل أو المراهق بعالم الكتب والكتابة، لتجعل من مخيلته مندهشة منفتحة على العوالم الواسعة، ويبقى أثرها دائما في منطقة اللاوعي، معتبرة القراءة خطوة هامة نكتشف من خلالها على أنفسنا والعالم من حولنا مؤكدة على أنه لا يمكن الحديث عن مجتمع متحضر متقدم لا يمنح أهمية قصوى للقراءة، فهي تشبه القراءة كقنديل يضيء طريق هذا العالم المعتم، قائلة كلما تعمقت قراءاتنا وتنوعت أسئلتنا أصبحت صورة الواقع أوضح وأكبر حتى يصبح تنوعنا واختلافنا مسألة يمكن تجاوزها بالحوار بدلا من الاقتتال كما هو الحاصل في كثير من مجتمعاتنا العربية للأسف.

ليلي بارع شاعرة وكاتبة قصة قصيرة من المغرب الشقيق عملت صحفية ومراسلة ومسؤولة عن القسم الثقافي في جريدة الخبر، صدر لها عدة مجموعات شعرية منها ديوان « كل هذا الكلام « وديوان « أرض الفراشات « وحاليا لديها مجموعة قصصية تحت الطبع بعنوان « اليد الخضراء «

* ما هو الكتاب الذي أحدث تأثيرا فيك بعد قراءته ؟

– كتب كثيرة تحدث تأثيرا في نفسية الانسان وتحديدا الكاتب، حتى قبل أن يستوعب هذا التأثير وأعتقد أن للكتب التي يجدها الكاتب متوفرة بين يديه في مرحلة طفولته لها تأثير شديد على شخصيته بحيث تسمه وتجعله يتأثر بما لا يستطيع تفسيره في مرحلة لاحقة. شخصيا كان لعدة أعمال تأثيرها على ارتباطي بهذا العالم، أذكر منها كتاب “ألف ليلة وليلة”، “كليلة ودمنة” أيضا روايات جورجي زيدان، وكذا عدد من الروايات المترجمة عن الأدب العالمي مثل “أكلة الموتى”، أو “آلة الزمن” لجورج ويلز، أو”مائة عام من العزلة” لغارسيا ماركيز، وغيرها من الروايات التي كانت تأتي على شكل أعمال روائية قصيرة منشورة في مجلات عربية مثل مجلة “هنا لندن” و”العربي” أو “المختار”، وغيرها من المجلات والدوريات التي كانت تصلنا إلى المغرب أو التي توجد في مكتبة والدي رحمه الله. كذلك لا يمكن أيضا نسيان تأثير قصص الأطفال المصورة سواء العربية منها أو المترجمة،أذكر خاصة سلسلة محمد عطية الإبراشي وغيرها كلها كان لها تأثير على تعلقي بعالم الأدب. ومما أذكر عن تلك المرحلة أنني نادرا ما كنت أصل إلى الصفحة الأخيرة التي غالبا ما تكون ممزقة وغير موجودة، فتنشط مخيلتي في تخيل النهايات، لكن من ضمن الأعمال الروائية التي وقفت أمامها طويلا، وأعدت قراءتها لاحقا لأكثر من مرة، كانت رواية الكاتب الطيب صالح، “موسم الهجرة إلى الشمال” كرواية جريئة وصادمة بالنسبة لي، بعوالمها وأحداثها وبالرحلة السيزيفية لبطلها التي انتهت به إلى القاع مثل هذه الروايات لا يمكن سوى أن تؤثر على القارئ لأنها تضعه أمام جزء من شخصيته أمام التناقض الكبير بين العقلية العربية الشرقية بقيمها المحافظة، وبين الحداثة في بُعدها الإنساني والكوني، وهو صدام ما يزال قائما إلى اليوم، أعاد تقديمه عدد من الروائيين من بينهم الروائي المغربي بهاء الدين الطود في روايته الرائعة “البعيدون” التي تنتهي أحداثها بجنون البطل وموته، وفيها أيضا يقدم هذا الصدام الذي يبدو كصدام أبدي بين حضارتين. كل هذه الأعمال الأدبية كان لها تأثير على اهتمامي بالأدب، خلال بدايات تكون الوعي بأهمية القراءة، لكن أعمال كثيرة كان لها نفس التأثير وأكثر…قد ألخص فكرتي كاملة فأقول ما قاله أمبرتو إيكو: “لو أني تأثرتُ بكاتبٍ واحدٍ لكنتُ غبياً. المرء يتأثر بمؤلفين مختلفين في فصول مختلفةٍ من حياته. هذا هو النضجُ العقلي.”.

* ما نوع التأثير وهل أنتِ مقتنعة بالتأثير؟

– هذا النوع من القراءة التي تحدث عنها في البداية، أسميه شخصيا بالقراءة اللاواعية، وأهميتها أنها تربط الطفل أو المراهق بعالم الكتابة والأدب، وتجعل مخيلته مندهشة ومنفتحة على الامكانيات والعوالم الواسعة التي يفتح الأدب أبوابها، لذلك تأثيرها هام ويكمن دائما في اللاوعي. فالاهتمام حينها يكون منصبَّا على الكتاب بغض النظر عن الكاتب وعن المرحلة التي أفرزته وسياقات الخطاب الذي جاء فيه العمل. لكن في مرحلة لاحقة، تصبح هذه الأشياء التي ذكرتها هامة وضرورية، ويصبح الوعي بها شرطاً للقراءة، نغير مع الوقت دائما أسلوب القراءة، ونصبح أكثر انتقائية، وتصبح لائحة كتبنا مهيأة سلفا وتحتكم إلى الأعمال الأكثر تأثيرا في الأدب العربي والأجنبي. نتعلم أيضا مع الوقت إقامة مسافة بين ما نقرأ وما نكتب، نتعلم وضع جدران عالية من الأسئلة ونشتبك مع ما نقرأ في معركة من التحليل والتشكيك والنقد، والكتاب الأجمل هو الذي يبقيك بمكانك حتى النهاية، ويطرح معك تلك الأسئلة التي فكرت بها

* ما مدى استمرار تأثيره ؟

– تستمر القراءة في السباحة في دم الكاتب لتعلن عن نفسها من بين ثنايا النصوص التي ينتجها لاحقا، ليس ذلك بسر، لكن ينبغي دائما “نسيان تلك الألف بيت التي حفظناها كي نصبح شعراء”. كما أنها تمنح للكاتب المتفرد والأصيل غنى لمادته لكن من دون أن يكون للأمر علاقة بسقوط الحافر على الحافر أو كتابة نص مستنسخ عن نص آخر ولا بسرقة أفكار الكتاب الآخرين…القراءة لدى الكاتب هي وسيلة للتسلح بالمعرفة والوعي بنفسه وكتاباته ومجاله، دون قراءة وبحث وتنقيب لا يمكن ان يتشكل هذا الوعي، حين تجد كاتبا كبيرا مثل خوليو كورتازار يتحدث عن تجربته في القراءة قائلا ” عشت قراءاتي، ولم أعِش حياتي. قرأت الآلاف من الكتب، حبيس البنسيون؛ درستُ وترجمت. اكتشفت الآخرين في وقت متأخر للغاية…”، تدرك أن القراءة تغير الأشياء بداخل الكاتب، صحيح لا تصنع القراءة كاتبا، لكنها تصنع الإنسان بداخله وتمنح العمق لكتاباته، لا يأتي الكاتب من فراغ، ليقتل الكاتب والده الرمزي ينبغي أن يتعرف عليه بداية.

* هل ترين أن القراءة محرك أو دافع للتغيير في وقتنا الحاضر ؟

– القراءة بصورة عامة، وليس الأدبية منها فقط، خطوة هامة لنكتشف أنفسنا والعالم من حولنا، ولنطرح الأسئلة الضرورية، لا يمكن الحديث عن مجتمع متقدم ومتحضر لا يمنح أهمية قصوى للقراءة، القراءة لا تأتي من فراغ، إنها عملية طويلة، تبدأ مع الطفل كلعبة يتبادلها مع والديه وقت النوم، لتتطور بتطور الطفل ونضجه، القراءة قنديل يضيء طريق هذا العالم المعتم. وأغلب الدول العربية للأسف لا تهتم بالقراءة كسلوك يومي يمكن ممارسته حتى في الأماكن العمومية، القراءة سلوك حضاري، وكلما تعمقت قراءاتنا وتنوعت أسئلتنا أصبح صورة الواقع أوضح وأكبر، وأصبح تنوعنا واختلافنا مسألة يمكن تجاوزها بالحوار بدلا من الاقتتال كما تشهد عدة أماكن من مجتمعنا العربي. لقد أجاب فولتير عن هذا السؤال حين قال “‏سُئلت عمن سيقود الجنس البشري ؟ فأجبت : الذين يعرفون كيف يقرؤون”‎..

اليوم ببلدي المغرب، هناك اهتمام حقيقي بالقراءة وبالتشجيع عليها في صفوف الشباب، خاصة طلبة الجامعات، هناك شبكات للقراءة ومبادرات ودعوات للشباب من أجل الاهتمام بالقراءة لوعي أكبر، خاصة في الفضاء العمومي، مثل الحدائق أو الشواطئ أو حتى في وسائل النقل العمومية مثل الطرامواي. هناك رغبة في تغيير الواقع بمبادرات خلاقة وراءها مجموعة من الناشطين المدنيين، وهذه الفكرة التي تحظى بالدعم من وزارة الثقافة المغربية، تعِدُ بالكثير لو استمرت وانتشرت في كل أنحاء المغرب، بل أجد أنها فكرة قابلة للتطبيق بعدد من الدول العربية الأخرى.، مجتمعات لا تقرأ هي مجتمعات عاجزة عن معرفة صورتها الحقيقية وستبقى منغلقة على نفسها لأنها لم تحصل على فرصة لتطوير وعيها الجماعي.

المصدر: 1

شاركها

اترك رد